|
الاسـتـشـهاد
استعرض الدكتور يوسف بن يعقوب دانا عن الجزء الأول من " الحسين في
القرآن " من دائرة المعارف الحسينية ، باللغة العبرية ، و هذه ترجمتها
العربية :
تدأب
الشيعة على إحياء مناسبتين هامتين كل عام : الأولى ذكرى الولاية لعلي
بن أبي طالب من قبل النبي محمد ، و الثانية قتل الحسين و أصحابه على يد
الأمويين في معركة كربلاء عام 680م ( 61 هـ ) .
بدأت
معركة كربلاء في العاشر من محرم ، بين الحسين بن علي بن أبي طالب ،
الإمام الثالث ، و بين جيوش عبيد الله بن زياد والي الأمويين في الكوفة
. قُتل في هذه المعركة الحسين بن علي ، حفيد الرسول – ابن بنته فاطمة –
و بعد مقتله قُطع رأسه و طيف به في البلدان على رأس رمح طويل ، و
اقتيدت نساؤه و بناته و أخواته أسرى مع موكب الرأس .
رغم قلة
أهمية هذه المعركة من ناحية عسكرية ، إلا أن مقتل الحسين بهذه الطريقة
المأساوية و استشهاده في معركة ضد الطغاة الأمويين أثّر في نفوس مؤيديه
كثيرا ، و ساهم في تبلورهم كفرقة دينية من أتباع عليٍّ .
لقد عانت
الشيعة الأمرّين على مرّ العصور ، من الملاحقات و الظلم ، الأمر الذي
جعلهم يتخذون من كربلاء نهج حياة يسيرون بموجبه .
إن آلام
الحسين و مقتله بهذه الطريقة المأساوية جعلته شهيدا من الدرجة الأولى
لدرجة أن أصبح بمثابة شفيع للمؤمنين يوم القيامة .
و بناءا
عليه ذكر حادثة استشهاد الحسين يمثل قيمة روحانية ذات معنى كبير .
إن
الإيمان بأن الإنسان يحمل معه وقت المصائب و المحن أعماله الصالحة ، و
الأعمال الأخرى تصبح ثانوية .
إن قول "
أشهد أن لا إله إلا الله " هو قول دارج يقوله المسلمون بشكل دائم ، أما
الاستشهاد فهو على الإنسان أن يكون مستعدا لأن يضحي بنفسه من أجل نصرة
عقيدته و من أجل الله ، كما فعل الإمام الحسين .
إن
المؤمنين يعبرون عن آلامهم و حزنهم و محبتهم الغامرة لأهل بيت النبي
محمد ، الذي يؤمنون برسالته إيمانا صادقا لا جدال فيه .
إن كربلاء
ليست بالضرورة تتعلق بالأحزان ، فهنالك جانب آخر لكربلاء ، و هو جانب
الشعر و النظم .
اهتم
علماء الغرب في القرن الماضي بأجزاء مهمة من تطور تاريخ الإسلام ، و
لكن هذا الاهتمام بقي محدودا و لم يقتصر إلا على الأمور الأساسية .
في مطلع
القرن العشرين بدأ العلماء و الدارسون الغربيون بالإطلاع على جوانب
أخرى في حياة المسلمين كاهتمامهم في الحسين بن علي . و قد زاد الاهتمام
بحركة الحسين لدى الغرب في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ .
إن
لاستشهاد الحسين الأثر السياسي و الديني الكبير في العالم الإسلامي ، و
قد أساء قسم كبير من الباحثين و المؤرخين فَهْم أحداث معركة كربلاء ، و
ما جرى للحسين و لأهل بيته على ضفة نهر الفرات . حيث ادعى قسم منهم أن
كربلاء ما هي إلا محاولة تمرّد فاشلة قام بها الحسين ، و أن دور هذه
المعركة و تأثيرها في تأريخ المسلمين هامشيٌّ .
لقد قُتل
الحسين بشكل فظيع و قاسٍ جدا ، و نكّل الأمويين بجثته و قطعوا رأسه ، و
هم يدّعون بأنهم مسلمون .
إن الجانب
السياسي لثورة الحسين يمكن إجماله بأن ثورة الحسين منحت مؤيدي الحسين
الفرصة لإثبات ولائهم لأبي عبد الله ، و أنهم سائرون بموجب وصيته ،
مقتـفون أثره .
لقد كانت
ثورة كربلاء ثورة سياسية ، هكذا أرادها الحسين أن تكون ، ثورة ضد الظلم
و الطغيان ، ثورة تستمد مبادئها من الإيمان الذي اكتسبه الحسين من جده
الرسول ( ص ) .
لقد أثّر
استشهاد الحسين على العالم الإسلامي من عدة جوانب ، هي :
أ )
الجانب الديني . إن ذكر حادثة مقتل الحسين يُعد أمرا مساعدا لإحياء
الإيمان في قلوب المسلمين و خاصة الشيعة منهم . إن مدفن الحسـين في
كربلاء يُعد مكانا مقدسا لدى الشيعة يزوره مؤمنوهم ، و لديهم أدعية
خاصة أثناء كل زيارة لقبره المقدس .
ب )
الجانب السياسي . إن الشعار " يا لثارات الحسين " ساعد في إسقاط نظام
الحكم الأموي الذي كان مسؤولا عن مقتل الحسين . و مازال شعار" يا
لثارات الحسين " شعارا مهمّا و ذا فاعلية لدى الشيعة لغاية يومنا هذا .
ج )
الجانب الأدبي . كان لمقتل الحسين تأثيرا كبيرا في تطور الجانب الأدبي
، فمنذ مقتله و لغاية يومنا هذا مازال الشعراء و الناثرون يؤلفون الشعر
و المقاتل و المراثي في أبي عبد الله .
لقد أدى
مقتل الحسين إلى نشوء سلسلة من المؤلفات الدينية و الخطب و الوعظ و
الأدعية الخاصة التي لها علاقة بحادثة مقتله . فمنذ القرن الثامن
للهجرة بدأ الشعراء بنظم المراثي في مقتله ، و ألفت عشرات المقاتل لوصف
حادثة مقتله المأساوية .
و هكذا
نرى أن الحسين شغل حيزاً مهماً في الدراسات المعاصرة بشكل خاص .
هذا
الكتاب يتضمن الآيات القرآنية المؤولة في الإمام الحسين ، سبب نزولها ،
و مكان نزولها ، و رأي المفسرين و شرحهم لها . فقد حاول مؤلف الكتاب
العلامة الشيخ محمد صادق الكرباسي – أطال الله عمره – أن يضيء جانبا
مهما في ثورة الإمام الحسين ، لطالما كان مُعتّماً من قبل أنظمة الحكم
السياسية القديمة و المعاصرة ، من أجل محاصرة إمتداد ثورة الحسين بن
علي .
استهل
المؤلف هذا الجزء من الموسوعة الحسينية بمقدمة عن القرآن الكريم ،
ألفاظه ، و تـفسيره ، و طرق التـفسير الشائعة . بعدها ينتقل إلى الآيات
القرآنية التي فُسِّرت في الحسين ، حيث بدأ بكتابة الآية ثم فسّرها ، و
سرد الأحاديث الداعمة لتفسيرها ، حسب عصر الراوي الذي يعتمد عليه ،
بعدها ناقش الأحاديث . كما أشار الكرباسي في نهاية الكتاب إلى الآيات
القرآنية التي فُسِّرت في الإمام الحسين ، و اشترك الحسين في تفسيرها ،
مع غيره من أهل البيت و الأئمة .
إن العمل
الذي قام به مؤلفنا لهو عمل جبار يُضاف إلى عشرات الأجزاء من الموسوعة
التي أصدرها مؤلفنا ، و التي قسما منها ينتظر الإصدار . بورك مسعاك يا
أبا العلاء .
25/6/2002م
يوسف
بن يعقوب دانا
الكلية
العربية للتربية – حيفا
متخصص في
شعر القرون الوسطى |