|
البادرة النادرة الشريفة
عنوان تـقريظ تـفضّـل به سماحة آية الله الحجة السيد صادق بن مهدي
الحسيني الشيرازي
بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله
وحده ، والصلاة على من لا نبيّ بعده ، وعلى آله سادات الخلق أجمعين .
الإمام
الحسين عليه السلام شاءت الإرادة الربانية أن يكون إستـثـناءً في تاريخ
البشرية كلها ، بل في تاريخ المخلوقـات بأسرها ، فبالرغم من أن هناك
أربعة أشخاص كل واحد منهم أعظم وأفضل من الإمام الحسين عليه السلام ،
وهم : جدّه وأبوه وأمّه وأخوه عليهم السلام ، كما قال هو عليه السلام
–
يوم عاشوراء وهو يخاطب أخته العقيلة زينب الكبرى عليهما السلام - : "
جدّي خير منّي .. أبي خير منّي .. أمي خير منّي .. أخي خير منّي " ،
إلا أن الله تعالى جعل للإمام الحسين عليه السلام ما لم يجعله لغيره :
فقد نعى الله تعالى الإمام الحسين لجبرئيل ، وعبره لأبينا آدم عليه
السلام عند بدء خلقه ، وهكذا نعاه سبحانه إلى نوح والى إبراهيم والى
موسى والى عيسى والى غيرهم من الأنبياء عليهم السلام ، كل ذلك من قبل
أن يُخلق الإمام الحسين عليه السلام بألوف السنوات .
وقد وجّه
الله تعالى الآلام والمحن والمصائب لأنبيائه عند ذِكر الإمام الحسين
عليه السلام أو عند وصولهم إلى أرض كربلاء المقدسة لمجرد أنه سوف
–
وبعد ألوف السنين –
ستـنزل المحن والمصائب والآلام بالإمام الحسين عليه السلام على هذه
التربة .
فهذا آدم
أبو البشر عليه السلام لما هبط إلى الأرض وطاف فيها ، فمرّ بكربلاء ،
فاغتمّ وضاق صدره من غير سبب ، وعَثرَ في الموضع الذي قُتل فيه الحسين
حتى سال الدم من رجله فرفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي هل حدث منيّ
ذَنْب آخر فعاقبتـني به فإني طفت جميع الأرض وما أصابني سوءٌ مثـل ما
أصابني في هذه الأرض ، فأوحى الله إليه : يـا آدم ما حدث منك ذَنْبا
ولكن يُقتـل في هـذه الأرض ولدُك الحسين ظلماً ، فـسال دمك موافـقة
لدمه .
وهذا نوح
نبي الله عليه السلام ، لما ركب السفينة ، فلما مرّت بكربلاء أخذته
الأرض ، وخاف نوح الغرق فدعا ربه وقال : إلهي طفت جميع الدنيا وما
أصابني مثل ما أصابني في هذه الأرض ، فنزل جبرئيل وقال : يا نوح في هذا
الموضع يُقتـل سبط محمد خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء .
وهذا خليل
الله إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام ، مرّ في أرض كربلاء
وهو راكب فرساً ، فعثرت به وسقـط إبراهيم وشـجّ رأسه وسال دمه ، فأخذ
في الاستغفار وقال : إلهي أي شيء حدث مني ، فنزل إليه جبرئيل وقال : يا
إبراهيم ما حدث منك شيء ولكن هنا يقتل سبط خاتم الأنبياء وابن خاتم
الأوصياء ، فسال دمك موافقة لدمه .
وهذا نبي
الله إسماعيل الذبيح عليه السلام ، ترعى أغنامه بشط الفرات ، فأخبر
الراعي أنها لا تـشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوم فسأل ربه عن
سبب ذلك ، فـنزل جبرئيل وقال : يا إسماعيل سَلْ غنمك فإنها تجيبك عن
سبب ذلك ، فقال لها : لِمَ لا تـشربين من هذا الماء ، فقالت بلسانٍ
فصيح : قد بَلَغَنا أن ولدَك الحسين سبط محمد صلى الله عليه وآله وسلم
يُقتـل هنا عطشاناً ، فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حزناً عليه .
وهذا موسى
بن عمران عليه السلام يدخل أرض كربلاء مع وصيِّه يوشع بن نون فتـنخرق
نعله وينـقطع شراكها ويدخل الحسَك في رجليه ويسيل دمه ، فيقول : إلهي
أيّ شيء حدث منيّ ، فيوحي الله إليه أن هنا يقتـل الحسين عليه السلام
وهنا يُسفك دمه ، فسال دمك موافقة لدمه .
وهذا نبي
الله سليمان بن داود عليه السلام يسير على بساطه في الهواء فيمرّ على
أرض كربلاء ، فتدير الريح بساطه ثلاث دورات حتى يخاف السقوط ، فتسكن
الريح وينزل بساطه في أرض كربلاء ، فيسأل الريح عن ذلك ، فتـقول : إن
هنا يُقتـل الحسين عليه السلام .
ويظهر من
العديد من الأحاديث الشريفة أن الله تعالى قلَّب كثيراً من المقايـيس
من أجل الإمام الحسين عليه السلام مما لم يجعل نظيراً منها لغيره حتى
في مجال التشريع واللغة ، أذكر أنموذجين في هذا المجال :
الأول : (
الأسوة ) في كتب اللغة بمعنى القدوة ، والقدوة تكون عادة من السابق
للاّحق ، لا العكس ، ولكن في قصة الإمام الحسين عليه السلام ، انقلب
هذا المقياس اللّغوي .
فـفي
الحديث الشريف المروي بأسانيد عديدة وفي شتى الكتب المعتبرة عن الصادق
عليه السلام أنه قال : إن إسماعيل الذي قال الله عَزَّ و جَلَّ في
كتابه " واذكر في الكتاب إسماعيل انه كان صادق الوعد وكان رسولاً
نبيّـاً " لم يكن إسماعيل بن إبراهيم ، بل كان نبيّاً من الأنبياء بعثه
الله عَزَّ و جَلَّ إلى قومه ، فأخذوه ، فسلخوا فَرْوَة رأسه و وجهه ،
فأتاه رسولٌ من ربّ العالمين فقال له : ربك يقرؤك السلام ويقول : قد
رأيت ما صنع بك ، وقد أمرني بطاعتك فمُرني بما شئت ، فقال : يكون لي
بالحسين بن عليّ أسوة .
الثاني :
ذَكر العلاّمـة الأميني رحمه الله –
صاحب الغدير –
في تعلـيقه على كتاب " كامل الزيارات " للمحدِّث الثـقة الثبت جعفر بن
محمد بن قولويه –
رضوان الله عليهما - : وذهب غير واحد من الفقهاء والمحققين إلى جواز
زيارة الحسين عليه السلام مع أي خوف وضرر لإطلاق النصوص
–
كما مرّت في بابها –
ولعل التاريخ يملي علينا رؤوساً من عمَل الأصحاب على عهد الأئمة صلوات
الله عليهم منضمّة بتـقريرهم له ، يؤكد ما اختاره المحققون ، ولقد حمل
إلينا عن أولئك أنهم ما صدّهم عن قصد مشهد الحسين عليه السلام ما
كابدوه من المُثْـلة والتنكيل والعقوبة بحبس وضرب وقطع يدٍ وهتـك حرمة
، وقابلوها بجأشٍ طامن ولبٍّ راجح وشوق متأكد ، وهذا كتابنا ينطق عليكم
بالحق في حديث في زيارة ابن بكير وإتيانه لها من " أرجان " من بلاد
فارس خائفاً مشفقاً من السلطان والسُعاة وأصحاب المسالح ، وهو من فقهاء
الطائفة –
كما في رجال الكشي –
وفيما يأتي من حديث زيارة مثل محمد بن مسلم على خوفٍ وَوَجَل وهو أكبر
ثـقة في الطائفة ، عدَّه الصادق عليه السلام من أوتاد الأرض وأعلام
الدين ، وفي كلا الحديثين فضلاً عن تـقرير الإمام عليه السلام لفعلهما
، بيان ثواب جميل لهما بذلك ونصٌ على أن ما كان من هذا أشدُّ فالثواب
على قدر الخوف ، وفي حديث مرّ في زيارة مثل الحسين اللّيثي الكوفي
–
الذي أطبق الأصحاب على ثـقته وجلالته –
في زمان بني مروان ، في الشدّة وخوف القتـل وتـلف النفس
–
كما صرّح بذلك في حديثه –
ويدلّ على مختار المحققين حديث هشام بن سالم ، الثـقة الجليل المروي عن
الصادق عليه السلام ، وفيه تـفصيل بيان ثوابٍ عظيم لمن يُقتـل دون
الحسين عليه السلام وأجر جميل لا يُستهان به لمن حُبس في إتيـانه وجزاء
جزيل لمن ضُرب بعد الحبس في قصد مشهده ، إذن فلا نَدْحَةَ في تعميم
الحكم على جميع ما ذكر " .
وهناك
الكثير الكثير ، . ، والكثير الكثير ، . ، من أمثال ذلك في حق الإمام
الحسين عليه السلام يجدها القارىء في " دائرة المعارف الحسينية " هذه ،
وحيث إن الإمام الحسين عليه السلام إستـثـناء في التاريخ وفريد في
الخلق ، كذلك ينبغي أن يكون الكتاب عنه استثناءً في قاموس الكتب
وفريداً في التأليف .
وإنه
لتوفيق عظيم من الله الكريم شمل حال المؤلف الجليل ، والمحقق المجيد
سماحة حجة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ محمد صادق الكرباسي خَلَف
العَلم الوَرِعْ الزاهد آية الله الشيخ محمد الكرباسي
–
قدِّس سرّه –
على القيام بهذه البادرة النادرة بل الفريدة ، فلله دَرّه وعلى الله
أجره ، ومع سيد الكونين الإمام الحسين عليه السلام برّه وحشره ،
فهنيئاً له ذلك " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " والله وليّ التوفيق .
9/5/1417
هـ 22/9/1996م
ايران
–
قم المقدسة
صادق
الحسيني الشيرازي
|