|
الخطيب العلامة الصفار يتحدث
لقد تحدث سماحة الشيخ حسن الصفار في المجلس الحسيني الذي أقيم في
حسينية العوّامي بالقطيف في 20/2/1421 هـ ، بمناسبة أربعينية الإمام
الحسين ( عليه السلام ) ، عن دائرة المعارف الحسينية مبيناً أهميتها و
شموليتها و عمقها
المركز
الحسيني للدراسات :
في محاضرة
ألقاها سماحة العلامة الخطيب المفوَّه الشيخ حسن بن موسى الصفار في
حسينية العوامي بالقطيف في اليوم الثالث من شهر محرم الحرام عام 1423
هـ ، تحت عنوان " أهل البيت عليهم السلام بين إمامة الدين و إمامة
الدنيا " تطرق فيها بالحديث عن الموسوعة " دائرة المعارف الحسينية " ،
جاء فيه :
نحمد الله
تعالى أننا ننتمي إلى أهل البيت ( عليهم السلام ) ، و نسأل الله أن
يثبتنا على ولايتهم ، و أن يجعل انتماءنا لهم انتماءً صادقا و ليس مجرد
إدّعاء . و يجعلنا من السائرين على طريقهم و المقتـدين بهـم .
يجب علينا
أن نتحمل المسؤولية تجاه تراث أهل البيت ، هذا التراث العظيم الضخم
الذي حورب و حوصر في العصور الماضية ، ينبغي علينا و نحن نعيش في هذا
العصر ، حيث توفرت الوسائل و الأساليب و ارتفعت الكثير من الحجب و
ارتفع مستوى وعي الناس . البشرية تستطيع الآن أن تفهم كلام أهل البيت
أكثر من الفترات الماضية . إن معارف أهل البيت بامكانها أن تقدم الكثير
للمسلمين و للبشرية في هذا العصر ، و لكن يجب أن نتحمل مسؤوليتنا تجاه
هذا التراث . أما كيف ؟ فنقول :
في العصور
الماضية قام علماؤنا جزاهم الله خيرا ، حرصا منهم على حفظ هذا التراث
، بجمع تراث أهل البيت ، فجمعوا الكثير منه ، و الذي أمكن جمعه من خلال
مؤلفاتهم . و من المصادر التي وصلتنا : الكتب الأربعة ، الوسائل ، بحار
الأنوار ، و مختلف المؤلفات التي جُمع فيها الكثير من أحاديث أهل البيت
و سيرتهم عليهم أفضل الصلاة و السلام .
لكننا في
هذا العصر في حاجة إلى بحث و دراسة و تنقية و غربلة هذا التراث المجموع
و إعادة تصفية لتقديمه إلى البشرية بالشكل الذي يفيدها في هذا العصر .
و لاشك أن
تراث أهل البيت تعرض لما تعرضت له السُنّة النبوية ، كما أن أحاديث
رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) تعرضت للدّس و الوضع ، فأصبحت هناك
أحاديث مكذوبة على رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) باعتراف كل
المسلمين ، كذلك أحاديث أهل البيت . إن هذا التراث المنقول عن أهل
البيت يحتاج إلى غربلة و إلى تنقية . ينبغي أن يُنشط علم الرواية و
الدراية في حوزاتنا و في مجامعنا العلمية و خاصة في هذا العصر .
لقد
حذّرونا أئمتنا صلوات الله و سلامه عليهم من أن هناك وضّاعون و غلاة ،
و هناك من دسّ الأحاديث على أهل البيت . هناك حديث مهم مروي عن الإمام
جعفر الصادق سلام الله عليه يقول فيه : إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من
كذاب يكذب علينا فيُسقط صدقنا عند الناس بكذبه علينا . و في حديث آخر
روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، أنه قال : إن المغيرة بن سعيد
دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يتحدث بها أبي ، فاتقوا الله و لا
تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا عَزَّ و جَلَّ و سنة نبينا محمد ( صلى
الله عليه و آله ) .
توجد
روايات عديدة في مصادرنا رويت عن أهل البيت تحذرنا عن الدّس و الوضع و
الاختلاق و عن الغلو الذي حصل في الأحاديث الواردة عن أهل البيت عليهم
السلام و التي نُسبت إليهم .
و يروى عن
يونس بن عبد الرحمن أنه قال : دخلت العراق فوافيت جماعة من أصحاب أبي
عبد الله الصادق و أصحاب أبي جعفر الباقر عليهما السلام ، و سمعت منهم
و أخذت من كتبهم ثم عرضتها على الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام
) فأنكر منها أحاديث كثيرة ، و قال : لعن الله أبا الخطاب ـ أبو الخطاب
هذا أحد الغلاة ـ ، فانه و أصحابه دسوا في كتب أبي و أصحاب أبي أحاديث
مكذوبة مختلقة ، فلا تقبلوا عنا ما خالف كتاب الله .
إن هذا
التراث يحتاج إلى غربلة ، تلك المرحلة كانت مرحلة جمع ، و أما الآن فهي
مرحلة تصفية و تنقية ، ينبغي أن تغربل الأحاديث . و لله الحمد ، فان
علماؤنا في هذا العصر قاموا بخطوات مؤسِّسة . فعلى سبيل المثال قام
الإمام السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله تعالى بجهد طيب بالنسبة إلى
رجال الحديث ، إذ وضع معجم رجال الحديث في ثلاثة و عشرين مجلدا ،
استقصى فيها عن جلّ الرواة الذين رووا أحاديث أهل البيت عليهم السلام ،
فكانت محاولة لوضع كل راو في حجمه و في حالته الطبيعية ، هل هو عدل أو
ثـقة أو وضّاع أو كذاب أو ضعيف ، أو ما أشبه ذلك . هذا الجهد الكبير
إنما جاء للتأسيس لمرحلة تصفية و تنقية هذا التراث . كما يذكرون بأن
المرحوم الشهيد السيد محمد باقر الصدر رحمة الله عليه ، كان يريد
القيام بمشاريع هامة ، منها إنشاء موسوعة تحت عنوان " صحيح أهل البيت "
. و بالفعل بدأ بخطوة عملية إذ شكّل لجنة من الفضلاء و العلماء مهمتها
دراسة الأحاديث و الروايات الواردة ، و إبعاد تلك الأحاديث المختلقة
الموضوعة و المدسوسة حتى يتكون لدينا صحيح أهل البيت ، و تنقل هذه
الأمنية أيضا عن مرجع آخر هو السيد البروجردي رحمة الله عليه في قم .
إن مثل
هذه المهمة تحتاج إلى متابعة و إلى جهود حقيقية من أجل إبراز محاسن
أحاديث أهل البيت . فقد روي عن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام
) أنه قال : أحيوا أمرنا ، رحم الله عبدا أحيى أمرنا . قيل و كيف يحيي
أمركم ؟ قال : يتعلم علومنا و يعلمها الناس ، فان الناس لو عرفوا محاسن
كلامنا لاتبعونا .
هذه
الأحاديث المدسوسة ينبغي أن تُبعَّد و تُجنّب ، و أن يقدم للأمة و
البشرية تلك الأحاديث المختارة التي تكون ضمن دائرة المقبول و ضمن
دائرة المناسب . هذا من ناحية ، و من ناحية أخرى أن تُصنّف هذه
الأحاديث و هذا التراث وفقا لاحتياجات الإنسان المعاصر ، كحقوق الإنسان
، و شؤون البيئة ، و العدالة و الحرية ، العلاقات الدولية ، و حوار
الحضارات ، و ما أشبه ، من القضايا المطروحة الآن على مستوى العالم و
على مستوى البشرية جمعاء .
هذه مهمة
كبيرة يجب أن ينهض بها أتباع أهل البيت . و الحمد لله عندنا أوقاف
كثيرة ، و حقوق شرعية أيضا تخص أهل البيت عليهم السلام ، و هذا من أفضل
مصاريفها.
إذاً لابد
أن تكون هناك مراكز بحث ، و مراكز دراسات لنشر تراث أهل البيت ،
لتقديمه بصورته المشرقة للأمة و للبشرية جمعاء ، و ما هذه المناسبة
أيام عاشوراء إلا من المناسبات التي ينبغي أن تُستثمر و تُستغل ،
لتبيين شيء من محاسن علوم و معارف أهل البيت صلوات الله و سلامه عليهم
، فان سيرتهم تحتاج إلى دراسة و إلى بحث . مع الأسف ، الكثير إلى الآن
من سيرة أهـل البيت تُتناقل دون أن تُمحّص أن تُبحث . و من المعلوم أن
التمحيص يحتاج إلى مراكز دراسات ، كما يحتاج إلى علماء متخصصين يصرفون
جهدهم في هذا المجال ، و من تلك قضية عاشوراء و قضية الإمام الحسين (
عليه السلام ) .
و للتّو
فقد تكوّن مركز لدراسة موضوع الإمام الحسين ، باسم " المركز الحسيني
للدراسات في لندن " ، و لعلنا أشرنا إليه في سنوات سابقة ، إن هذا
المركز يريد جمع كل ما يرتبط بالنهضة الحسينية و يشبعه بحثا و تنقيحا و
تصنيفا ، و لكن مثل هذا المشروع في حاجة إلى تعاون و دعم و تجاوب من
قبل المهتمين بتراث أهل البيت صلوات الله و سلامه عليهم .
نسأل الله
أن يوفقنا و إياكم للقيام بشيء من هذه المهمة . |