|

المنهاج
دراسة
في الجزء الأول من كتاب
" الحسين و التشريع الإسلامي "
للبحاثة
المحقق آية اللّه الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي
الدكتور وليد سعيد البياتي
مقدمة الناشر
هذا
الكتاب دراسة تحليلية حول كتاب الحسين و التشريع الإسلامي ـ الجزء
الأول ـ و هو أحد أجزاء دائرة المعارف الحسينية الكبرى التي نافت
أجزاؤها الخمسمائة و خمسون جزءاً ، و هي الموسوعة التي إحتلت مقامها
المتقدم بين دوائر المعارف التي أُلفت حتى الآن ، و لقد حازت قصب السبق
في عدد أجزائها ، و في مضمونها ، و بالتالي كانت محطَّ أنظار الكُتَّاب
و الباحثين و المُحللين ، و انشغلت الأوساط العلمية و الأدبية و
الفكرية عامة بالحديث عنها و عن مؤلفها آية الله الشيخ محمد صادق محمد
الكرباسي و تحليل مضامين أجزائها .
إذن هذا
الكتاب هو دراسة تحليلية حول جزء واحدٍ فقط من أجزائها التي طبعت حتى
الآن ، و هي خمسة و عشرون جزءاً .
و إسهاماً
منا في إلقاء الضوء على دائرة المعارف الحسينية و على شخص الإمام
الحسين ( عليه السلام ) و علاقته بالتشريع الإسلامي نقدِّم هذا الكتاب
ـ الدراسة ـ للمكتبة الإسلامية ليكون رافداً يصب في نهر تلك الموسوعة
الكبرى خاصة و أنها دراسة من قبل أكاديمي له ماضٍ عريق في التأليف و
البحث و التدريس ألا هو الدكتور الفاضل و الكاتب المحقق السيد وليد
البياتي رعاه الله .
لقد أراد
المؤلف أن يفي هذه الموسوعة و مؤلفها حقها كما نستنتج من مقدمته ، لذلك
قام بوضع هذه الدراسة ، و سعى في طباعتها لتكون كما أراد ، و نحن نسأل
الله سبحانه و تعالى أن تكون كما أراد ، و الحمد لله رب العالمين .
2/2/1424
هـ
4/4/2003
م
المقدمة
ليس من
البساطة التعرض لبحث و دراسة أحد الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) و
علاقته بالتشريع الإسلامي ، ليس من ناحية سعة المصادر و حجمها ، و
الجهد الذي يحتاجه الباحث في هذا الأمر ، و لكن لشمولية في فكر الإمام
المعصوم ، و لحجيته باعتباره حجة الله عزّ وجل ، و للأصول الإلهية التي
هي المرجع الأصيل في فكره ، فكيف إذا كان الإمام المعصوم هو أحد
السبطين و ثاني سيدي شباب أهل الجنة ، و ريحانة رسول الله ( صلى الله
عليه و آله و سلم ) و الشهيد المظلوم صاحب واقعة كربلاء الإمام الحسين
بن علي بن أبي طالب ( عليهما السلام ) ، و هو من هو في الإمامة و
الوصاية ، و هو من هو في الآيات القرآنية و السنن النبوية .
و الباحث
المحقق آية اللّه الكرباسي
، يدرك هذه الحقيقة ، و هو يضع موسوعته العملاقة " دائرة المعارف
الحسينية " و التي بلغت أجزاءها ( 556 ) مجلداً حتى هذه اللحظة . و كان
لي عظيم الشرف أن أقوم بدراسة شاملة لمؤلَّف " الحسين و التشريع
الإسلامي " و الذي يقع في عشرة أجزاء
. و ما نحن بصدده هو الجزء الأول من الأجزاء العشرة .
يقدم لنا
الشيخ الكرباسي لمؤلَّفَه ، بقوله : لست هنا لأضع مؤلفاً عن التشريع
الإسلامي لبيان حقيقته ، و تاريخه ، و تطوره ، لكنني هنا لأقدم على
كتاب و لأول مرة في التأريخ يبحث عن دور الإمام الحسين ( عليه السلام )
في التشريع الإسلامي
، و بذلك يقدِّم لنا الباحث ، الغاية من تأليفه لمؤلَّفه هذا ، و هو
يحدد أمور سبعة ، يبحثها ، و يلزم نفسه بالإيجاز الذي لا يخرج عن
الموضوع ، مع اعترافه بصعوبة عمل مثل هذا ، و كان الباحث الكرباسي قد
حدد منهجيته في العمل في تقدمته ، شارحاً هذه المنهجية ، وصولاً إلى
الغاية أو المقصد ، و هو تبيان صلة الإمام الحسين ( عليه السلام )
بالتشريع الإسلامي من مصادرها .
و قد
ارتأيت في دراستي هذه إتباع نفس منهج الباحث الكرباسي في تقسيم المباحث
و عنونتها ، لأتمكن من إلقاء الضوء على كل مبحث ، ثم الانتقال إلى الذي
يليه ، متبعاً نفس ما قام به الباحث من إعطاء المساحة أو الحجم المناسب
له من الدراسة ، و قد لاحظت عند دراستي لهذا الجزء الذي نحن بصدده ، أن
الباحث لم يقم بتحديد أبواب أو فصول ، بل اكتفى وضع عنوان لكل مبحث "
عنوان رئيسي " و هذا ما سأجري عليه في دراستي هذه .
و لما كنت
أدرك كأكاديمي ، أن القيام بأية دراسة لمؤلف ما ، لا يمكن اعتبارها
الشكل النهائي لفهم المؤلف ، باعتبار أن العقل البشري ( غير معصوم ) و
لا يبلغ مرحلة الكمال ، و باعتبار أن العلم لا زال في مرحلة التطور ، و
الذي لم يتوقف عند حدّ معين حتى الآن ، فإني آمل أن أتمكن مستقبلاً من
القيام بدراسة أوسع للأجزاء العشرة من مجموعة " الحسين و التشريع
الإسلامي " بعد إتمامها إن شاء الله ، لأهمية التعرف على هذه الصلة
العميقة بين أبا عبد الله الحسين الشهيد ، و التشريع الإسلامي .
تمهيد
خلال بدء
دراستي لاحظت أن الباحث الشيخ محمد صادق الكرباسي انتهج منهجاً جديدا
في التعامل مع الرموز الذي اعتبرها المؤرخون ، في تحديد تواريخ الأحداث
، و الشخصيات ، و هو ما ذكره في تقدمته ، على اعتبار أن علماء التاريخ
لم يذكروا سِنيّ و تواريخ جميع الأنبياء و الشخصيات أو الأحداث باعتبار
أنه لا يزال قسماً منها نظريات و لم تصل إلى حد الثوابت ، حيث اختلف
العلماء في شخصية واحدة " حمورابي " بأربعة آلاف سنة أو أكثر
و على ذلك فإن الباحث الكرباسي اعتمد على الرموز التالية :
ق = قبل
هـ = هجري
م =
ميلادي
ق . هـ =
قبل الهجرة
ق . م =
قبل الميلاد
هـ . ب =
عام هبوط آدم ( عليه السلام )
و هنا
يقدم لنا الباحث العلامة الكرباسي منهجاً جديداً في فهم التاريخ و
التعامل معه ، و يعرض تصوراً علمياً و عقلانياً في آن واحد حول مفهوم
التاريخ البشري و الوجود البشري على هذه البسيطة ، ملاحظاً أن كل
النظريات التي قيلت حول التاريخ القديم ، ما هي إلا نظريات تبقى خاضعة
للنقاش و الجدل و الدحض ، ما دام العلم لا يزال في مرحلة التطور ، و
أنه لم يتوقف عند حدّ معين .
كما أن
الباحث ، أي باحث غير ملزم باستعمال و اعتماد مناهج الآخرين ما دامت كل
هذه المناهج ، هي أفكار وضعية ، خاضعة لتحولات الزمن ، و قابلة للدحض ،
ما بقي الوجود البشري ، و أن كل الدراسات الأنثروبولوجية و الأحيائية ،
لم تقدم لنا حتى هذه اللحظة ، حقيقة تاريخ البشرية ، خارج المفهوم
الإلهي و القرآني .
و هنا
أتفق مع شيخنا العلامة الكراسي في أن المكتشفات الأثرية و
الأنثروبولوجية عن عظام الجنس البشري تعود إلى تواريخ قديمة ، مما
يخالف تاريخ هبوط آدم ( عليه السلام ) على الكرة الأرضية ، ليس
بالضرورة أن تعود إلى نفس الجنس البشري الذي يُعد آدم ( عليه السلام )
أصله في البدء . إن هذه الأفكار تقودنا إلى دراسة التاريخ المقارن ، و
حتماً سيكون ذلك مفيداً لمعرفة البدايات الأولى للوجود البشري على هذه
البسيطة .
ماهيّة التشريع
إن للبحث
في ماهية التشريع ، و فلسفته ، يقود حتماً إلى البحث عن منشأ التشريع ،
و هذا طرح تساؤل ، من هو المشرِّع الأول و لما كان " أصحاب الديانات
السماوية ، و بالأخص الموحدة منها ترى أن التشريع يتم من قبل الله
سبحانه "
فإن هذا الأمر يُعدّ محسوساً من قبل الديانة الإسلامية ، لكن الباحث
الكرباسي لم يقف عند هذا الحسم فيما يخص هذا الموضوع ، بل يحاول مناقشة
ماهيّة المشرِّع حسب المفهوم العقلي ، و لما كان المؤلف قد وضع ثلاثة
تقسيمات لماهيّة المشرع :
1 ـ الله
.
2 ـ الفرد
.
3 ـ
المجتمع .
يمكن أن
يكون كل واحد منها مشرّعاً حسب المفهوم العقلي . و يقوم الباحث بمناقشة
إمكانية أن يكون الفرد مصدراً للتشريع ، ملاحظاً أن وضع القوانين و
الأنظمة للبلاد و العباد " تتم في إطار الملك "
. و في هذه الحالة يبقى الرأي هو رأي الفرد ( الملك أو الحاكم ) ، و إن
كان حكم الفرد يختلف باختلاف البيئة الجغرافية ، و القومية ، و
العقائدية ، و تبقى هذه القوانين ، قوانين وضعية خاضعة للجدال ، و
الدحض ، و النفي ، و إقامة الحجة عليها ، و لا يمكن أن تكون حجة على
الخالق ، المشرِّع الأول .
و يمكن
مناقشة نفس الموضوع من ناحية موقف الشعب كمشرّع عبر " المؤتمرات ، أو
اللجان و المجالس النيابية " ، التي تضع القوانين بدلاً عن الشعب و
الذي لا يمكن له وضع القوانين بأكمله ، و هي ما تُعرف في أنظمة الحكم (
الديمقراطية ) و حتى هذه لا تصل بالشعوب إلى غاياتها ، لأنها تبقى أداة
بيد الإنتفاعيين .
إن دحض
فكرة أن يكون الإنسان أو الشعب مشرّعاً ، يعود بنا إلى إدراك حقيقة
المشرّع الأول ، و هو الله عَزَّ و جَلَّ .
و تتجلى
حقيقة كون الله عَزَّ و جَلَّ المشرّع الأول ، في الأمثلة التي ساقها
العلامة الكرباسي حفظه الله ، و هو يأخذ عن " بصائر الدرجات " ما روي
عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : " إن الله علّم رسول
الله الحلال و الحرام ، و التأويل ، و علّم رسول الله علمه كلّه علياً
" . فتبقى هنا جملة حقائق :
1 ـ أن
الله عَزَّ و جَلَّ هو المشرّع الأول و لا مشرّع غيره .
2 ـ أن
هذه الشريعة أنزلت على رسول الله محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) .
3 ـ أن
الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) قد علّم علمه كلّه الإمام عليّاً
( عليه السلام ) .
و بعد هذا
يبقى أن نسأل ، ما هدف التشريع؟
يبدأ
شيخنا الكرباسي هنا ، بتعريف الهدف لغة و اصطلاحاً ، و تلاحظ أن تكريس
هدف التشريع في نقطتين أساسيتين لا يتجاوزهما ، لهو أعمق نظرة فلسفية
إلى الهدف المنشود .
1 ـ
السعادة .
2 ـ
النظام .
و لما كان
التشريع الفردي أو تشريع الشعوب يبقى مرتبطاً بالمصالح الفردية ، فهو
لا يرقى إلى تحقيق السعادة للبشر ، الخاضعين لتلك الشرائع ، بينما نجد
أن الشريعة الإسلامية تضع تحقيق السعادة في المرتبة الأولى . { ولو أن
أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض }
. و يلقي شيخنا الباحث الكرباسي نظرة عميقة و موجزة في آن واحد على هذه
النقطة ، في قول الله سبحانه ، بعد بيان التعاليم الإلهية { لعلكم
تفلحون }
، و يشرح شيخنا الباحث " و ما الفلاح إلا السعادة "
فيكون الفوز بالفلاح أو السعادة هو غاية و قمة ما نادت به الرسل و
الأنبياء لدى تبليغهم رسالة الله . و لما كان من أسس السعادة هو تطبيق
العدالة ، و هذه الأخيرة لا تأتي إلا من المشرِّع الأول و هو الخالق
العظيم .
و يأتي
النظام كهدف ثان للتشريع باعتبار غاية أخرى ، و هو مناقض للفوضى و
الهرج ، و المشرّع هنا يحدد علاقة الفرد بالخالق و علاقته بالآخرين ، و
يحدد مسؤولياته تجاه نفسه ، و المجتمع . و لما كان شيخنا الباحث قد
ألزم نفسه بالتبسيط و العمق في آن واحد ، فهو يسوق هنا أقرب الأمثلة
على كون النظام هدفاً للتشريع ، من خلال وصية أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب ( عليه السلام ) للإمامين الحسن و الحسين ( عليهما السلام ) : "
أوصيكما و جميع ولدي و مَن بلغه كتابي ، بتقوى الله ، و نظم أمركم "
.
مما تجدر
ملاحظته أن الباحث المؤلف لا يستعير الأمثلة و الأفكار من مصادرها ،
استعارة عمياء ، و إنما يقوم بتوظيف هذه الأمثلة و الاستعارات وفق منهج
دقيق ، حتى تكون عوناً له لدى إيضاح فكرته .
تاريخ التشريع
يقع
الاهتمام بتدوين تاريخ التشريع و الشرائع السماوية في مجال حاجة العقل
الإنساني لمعرفة بدايات نشوء عصر التشريع ، فقد أرّخ المؤرخون للتشريع
من خلال ما جاء من تواريخ الأنبياء و الرسل في الكتب السماوية ، لعدم
وجود مصدر آخر ، فنجد ذلك في تواريخ الطبري
، و المسعودي
، و اليعقوبي
، و غيرهم كثير من أصحاب التواريخ و السير ، و يمكن للباحث المدقق أن
يجد ذلك التماثل في منهج كل واحد من هؤلاء ، و قد درج كل المؤرخون
الذين تلوهم على أتباع ذلك المنهج في تسلسل تواريخ الأنبياء و الرسل ،
أو في أعمارهم ، و سنيّ نبوتهم و رسالاتهم ، و لم يقم أي مؤرخ بالخروج
على ذلك المنهج في تقسيم المراحل التاريخية .
و لما كان
الباحث قد أخذ على عاتقه دراسة التشريع الإسلامي من خلال الإمام أبي
عبد الله الحسين ( عليه السلام ) ، باعتباره أحد مصادر التشريع ، و ليس
من خلال المنهج التاريخي ، فإن الباحث انتهج على تقسيم تاريخ البشرية
إلى ست مراحل ، تبدأ الأولى بهبوط آدم ( عليه السلام ) ، و تنتهي
السادسة بظهور الإمام الحجة ( عجل الله فرجه )
.
و هذا
التقسيم يعطي مجالاً أوسع لفهم حركة التاريخ و تطور مراحله ، كما أن
الباحث كان قد قدم ، باعتماده رموزاً تاريخية مغايرة لما درج عليه
المؤرخون ، كل ذلك لقناعته بعقلة الباحث المجدّ بعدم ضرورة الاعتماد
على ما تعارف عليه ، بل إنه يرى أحقية الاعتماد " على ما اشتهر من
أصحابنا من أولي الاختصاص "
.
الحسين و تاريخ التشريع السماوي
إن
الاعتراف بالأصول الإلهية للتشريع يقودنا إلى فهم علاقة الإمام الحسين
بن علي ( عليهما السلام ) بالتشريع ، و يقدم لنا الباحث نظرة واقعية
لمفهوم الأصول الإلهية للتشريع من خلال سلاسل الأنبياء و الرسل ( عليهم
السلام ) و سلاسل أوصيائهم . و إذا كنا نلاحظ ذلك التشابه و التماثل في
بعض الأحيان نصوص الكتب السماوية
، فلأن المصدر واحد ، و الباحث الكرباسي في اعتماده على تاريخ هبوط آدم
( عليه السلام ) ، و حسابه على تاريخ قبل الهجرة ( ق . هـ ) ، يقدم لنا
تصوراً منطقياً عن الفترة الزمنية بين آدم و بقية الأنبياء و الرسل ،
كما أنه يقوض كل معلوماتنا التاريخية الأكاديمية عن تأريخ آدم ( عليه
السلام )
، و تواريخ الأنبياء و الرسل و أوصيائهم ، من خلال دراسة تاريخية
مقارنة ، كما يلاحظ أن بعض الشرائع تأتي لتنسخ ما قبلها ، و يدعو
المشرع " الله " إلى الالتزام بالشرائع الحالية ، و هذا ما ذكره القرآن
الكريم في مواضع عدة .
و قد يسأل
سائل ما علاقة الحسين ( عليه السلام ) بالتشريع من آدم ( عليه السلام )
إلى الرسول محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ؟ .
إن الله
عَزَّ و جَلَّ عندما خلق آدم ( عليه السلام )
و أنزله الأرض مع زوجته ، أنزل عليه شريعة تتناسب مع بدء الحياة
البشرية ، الإنسانية ، على سطح الأرض ، التي لم يكن عليها من البشر إلا
آدم و زوجته و من ثم أولاده ، و من ذلك التأريخ و الشرائع الإلهية
تتوالى على بني آدم ، الذين كان الله يصطفي منهم الأنبياء و الرسل { إن
الله اصطفى آدم و نوحاً و آل إبراهيم و آل عمران على العالمين }
و هذا الاصطفاء كان تفضيلاً و تشريفاً لهؤلاء الأنبياء و الرسل و
أوصيائهم على بقية البشر من بني آدم .
و استمرت
الشرائع تتوالى على أنبياء الله و رسله بما يتناسب و كل عصر ، و هي (
الشرائع ) كانت تزداد تفصيلاً و تطوراً بمرور الأزمنة و هذه حكمة إلهية
. و عندما بعث الله عَزَّ و جَلَّ إبراهيم ( عليه السلام )
بالرسالة ، نسخت شريعته الحنيفية شريعة نوح ( عليه السلام )
، لأن عصر إبراهيم كان أكثر تطوراً من عصر نوح ( عليهما السلام ) . و
لكن بعد انقضاء عهد شريعتي موسى و عيسى ( عليهما السلام ) و ظهور
الشريعة المحمدية ( الإسلام ) الذي أنزله الله على رسولنا محمد بن عبد
الله ( صلى الله عليه و آله و سلم )
نجد أن الله يأمر بالعودة إلى شريعة إبراهيم { ما كان إبراهيم يهودياً
و لا نصرانياً و لكن كان حنيفاً مسلماً و ما كان من المشركين * أن أولى
الناس بإبراهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا و الله ولي
المؤمنين }
. و قال أيضاً { ثم أوحينا إليك أن اتَّبع ملّة إبراهيم حنيفاً و ما
كان من المشركين }
.
و لما كان
رسولنا ( صلى الله عليه و آله و سلم ) من آل إبراهيم الذي اصطفاهم الله
، فإن التشريع الإلهي يستمر عبر سلسلة الأوصياء من نسل إسماعيل بن
إبراهيم ( عليه السلام ) إلى رسولنا محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم
) ثم منه في سلسلة الأوصياء " الأئمة الإثني عشر ( عليهم السلام ) ،
أولهم الإمام علي بن أبي طالب و خاتمهم الإمام الحجة محمد بن الحسن "
. فالأئمة الأطهار هم ورثة الشرائع السماوية ، و الإمام الشهيد الحسين
( عليه السلام ) هو أحد هؤلاء الأوصياء الورثة . و الشيخ الباحث
الكرباسي يقدم لنا تفسيراً منطقياً من مصادره الإلهية لتوارث الشرائع
السماوية
.
إن مهمة
الأوصياء تكمن في المحافظة على بيضة الإسلام الذي جاء به رسول الله
محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ، و عدم الانحراف به أو عنه ، ما
حدث في الشرائع السماوية الأخرى ، و قد عصم الله عَزَّ و جَلَّ أئمته
الأطهار من الخطايا و الزلات ، صغيرها و كبيرها ، و هي صفات تقترب من
صفات الأنبياء و الرسل ، بكونهم ليسوا أنبياءً و لا رسلاً ، بل أوصياء
و أمناء على رسالات ربهم و خاصة رسالة خاتم الأنبياء و الرسل محمد بن
عبد الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) .
و لا ينسى
شيخنا الباحث ، و هو يدون لرسالة الرسول الخاتم ( صلى الله عليه و آله
و سلم ) أن يضع مقارنة موجزة و دقيقة في الفلسفة الفكرية من وراء
الشرائع الثلاث الأخيرة ، اليهودية ، المسيحية ، الإسلام .
فاليهود و
لا يزالون واقعين تحت وَهْم ( شعب الله المختار ) ، و شريعتهم تعالج
بعض الأحكام الفردية و الطقوس الدينية ، بينما نجد الفلسفة الفكرية من
وراء الشريعة المسيحية تكمن في التسامح المطلق ، و الغفران بلا حدود
لكل أبنائها ، و تعالج الشريعة الطقوس الدينية فقط ، بينما الفلسفة
الفكرية من وراء الشريعة الإسلامية تقوم على سواسية الإنسان بشكل عام ،
و تميزه بما يحمل من فكر و عقيدة ، و نظام الإسلام يقوم على المصالح و
المفاسد ، بالنسبة للفرد و المجتمع ، و شريعة الإسلام تمتاز بالشمولية
و الاتساع ، فهي تشمل كل مجالات الحياة الفردية و الاجتماعية ، كما
أنها لا تختص بقوم دون آخرين ، و لا بمحيط جغرافي أو قومي محدد ، بل
أنها شريعة لكل الناس
.
شرائع أخرى
يبحث
الشيخ الكرباسي مفهوم التشريع في شرائع أخرى غير الشرائع السماوية
المعروفة ، و ذلك استكمالاً للبحث و الحجة في آن واحد . و هو يلقي
الضوء على أهم ثلاث شرائع غير سماوية ذكرها أصحاب التواريخ ، و حسب ما
جاء في تسلسله :
1 ـ
المجوسية .
2 ـ
الصابئة .
3 ـ
البوذية .
و على
الرغم من أنه يقدم لنا موجزاً لتأريخ تلك الشرائع و ما ورد فيها ، إلا
أنه يتوقف بعض الشيء عند شريعة حمورابي " و لكن الذي يستحق و لو بإيجاز
دراسته أو استعراضه هو شريعة حمورابي "
، باعتبار أن ما ورد فيها ، ربما أخذه حمورابي من شريعتي نوح و إبراهيم
، مع ملاحظة أنه لم يذكرها في تسلسله أعلاه .
إن وجود
شرائع غير سماوية تحوي بعض تشريعاتها ما موجود في الشرائع السماوية ،
يكون أحد الأمور التالية :
1 ـ أن
مشرِّعوا الشرائع غير السماوية قد تأثروا بالشرائع السماوية التي
عاصروها أو التي سبقتهم ، كما لدى شريعة حمورابي و البوذية .
2 ـ أنها
شرائع سماوية انحرفت ثم اندثرت أو بقي منها قليل ( المجوسية )
.
3 ـ أنها
شرائع نسبت إلى الشرائع السماوية ( الصابئة ) .
فدراسة
تلك الشرائع يبين مدى أثر الشرائع السماوية في الشرائع الوضعية ،
البشرية ، و في نفس الوقت مدى الفوارق الفكرية بين ما هو إلهي ، و ما
هو بشري .
نظرة الفقهاء إلى مصادر التشريع
لا بد
لدراسة التشريع الإسلامي ، مناقشة نظرة الفقهاء إلى مصادر التشريع ، و
دراسة المدارس التشريعية غير الإلهية ، استكمالاً لمنهج البحث . و
الباحث الكرباسي هنا يناقش ما تعارف عليه الفلاسفة من حصر المصادر
المادية للقانون بشكل رئيسي في ثلاث فلسفات أو اتجاهات فكرية أو مدارس
.
المدرسة
المثالية : و تعرف بالقانون الطبيعي ، و تتبنى أفكارها في وجود قيمة
عليا ، تسمو على جميع القيم ، لكن هذه المدرسة لم تتمكن من تقديم نظرة
شاملة للكون ، مما أدى إلى ظهور اتجاهين ، العقل ، و الوحي ، و منذ
ظهور الفكر الفلسفي عند اليونان نجد ذلك الاتجاه بإتباع العقل ، كونه
أحد أهم مصادر التشريع عند الفلاسفة اليونان
، إذا ما تجرّد عن الهوى و المصلحة ، بينما نجد أتباع الكنائس في العصر
الوسيط ( القرون الوسطى ) 2 ـ 9 هـ ( 5 ـ 15 م ) كانوا يعتقدون بأن
الوحي الإلهي هو مصدر التشريع
، في حين أن بعض الفلاسفة ، كالفيلسوف المسيحي سانت توماس الاكويني (
632 ـ 673 هـ ) " حاول التوفيق بين فكرة القانون السماوي و فكرة
القانون العقلي الموروثة عن الفلاسفة اليونان "
.
إن أهم ما
يهمنا في هذا البحث هو ملاحظة شيخنا الباحث الكرباسي المتمثل في عقم
المدرسة المثالية و قصورها في تحديد و حسم مسألة ( مصدر التشريع ) ، و
في تفسير مفاهيم الأنظمة الطبيعية و الاجتماعية . و أهم من ذلك فشلها
في تحقيق العدالة ، أو تفسير مفهوم القيم
.
المدرسة
الواقعية : يعود تاريخ الفلسفة الواقعية إلى القرن الثالث عشر الهجري ،
التاسع عشر الميلادي ، و بدايات الثورة الصناعية و ظهور نزعتها المادية
العلمية ، على الرغم من أن بعض مؤرخي الفلسفة يعودون ببعض مذاهبها إلى
بدايات القرن التاسع الهجري ، و الذي عرف بالمذهب التاريخي في الفلسفة
.
تتبنى
المدرسة الواقعية فلسفة ( الاعتراف بالواقع الملموس )
، وتنكر بذلك كل تصور فكري ، ( ميتافيزيقي )
، و تعتمد على منهج المشاهدة و التجربة ، و قد تبنت الماركسية أحد
مذاهب هذه المدرسة ، و هو مذهب الحتمية التاريخية لتبني فلسفتها
المادية .
و قد
حاولت المدرسة الواقعية تقديم تفسيراً لنشأة القوانين أو الشرائع ، و
تتراوح هذه التفسيرات بين مقولة الفيلسوف الألماني ( هرنج ) التي تقول
: " إن القانون وليد إرادة البشر و تدبيره ، في دأبه على تحقيق التقدم
في كل مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي أو أن يكون القانون " وليد
ارتباط وثيق بالبيئة الاجتماعية " . بينما يرى آخرون أن " ظاهرة
التضامن الاجتماعي هي منشأ معظم القواعد الاجتماعية " ، أو أن يكون
التنازع الاجتماعي هو الدافع لنشوء القوانين .
قد تبدو
مناقشة هذه الأفكار غير مجدية ، و نحن نناقش التشريع الإسلامي ، لكن
جدوى المناقشة تكمن في الوصول إلى أصل مصدر ( التشريع ) من خلال دراسة
مقارنة . و الباحث هنا مرة ثانية يقدم لنا تصوراً حقيقياً عن عجز و
قصور الفلسفة الواقعية ، باتجاهها و مذاهبها في تقديم تفسير للحقائق و
قصورها عن أهم مهمة تقوم عليها الفلسفة ، هو تحقيق العدالة و السعادة
الإنسانية .
المدرسة
التعادلية : و يمكن أن نطلق عليها اسم المدرسة التوفيقية ، فقد تبنى
مؤسسوها
تصور حالة وسط أو محطة وسطى بين المدرستين المثالية و الواقعية ، و
كحالة للتوفيق بين حقائق الواقع ، و المثل العليا في تكوين القيم التي
يحملها القانون ، و ذلك بعد عجز كل من المدرستين السابقتين عن تقديم
مفهوم متجانس بين حقائق الواقع و المثل العليا و تفسير كل مفهوم على
حده بشكل منفصل يعد قصوراً في إدراك المعنى الشمولي لتفسير القانون من
ناحية المنشأ و التطبيق .
و في بحثه
يقوم الشيخ الكرباسي بتقديم تصور كافي عن المناهج التي تبناها مؤسساً
هذه المدرسة ، و يعرض تحليلاتهما معطياً لذلك مساحة طيبة من البحث ،
مقدماً لنا بذلك تصوراً عن مدى محاولات " الجمالان " في إيجاد حالة من
التعادل و التوفيق بين المدرستين ، من خلال عرض شبه تفصيلي للمدرسة
التعادلية ، غير متجاهلاً في الوقت ذاته تقديم تصور عن مفهوم المصالح
عند أصحاب هذه المدرسة ، من خلال ما تعارف عليه عامة فقهاء المسلمين
على أن : " الأحكام الشرعية تابعة لدى التشريع للمصالح و المفاسد ،
فحرم ما يضر الإنسان ، و كلف بما فيه المصلحة "
. مقدماً بذلك تصوراً عن مدى حكم المصلحة في تأسيس التشريع .
الأنظمة السائدة
بعد أن
بحث المؤلف ( الكرباسي ) في المدارس الفلسفية التي قدمت تصوراتها و
نظرياتها في منشأ التشريع و أصوله ، يعود ليدرس " الأنظمة السائدة "
التي هي نتاج لهذه الفلسفات ، و التي تعد أمثلة تطبيقية للمناهج
الفلسفية المتقدمة .
يناقش
الباحث المؤلف النظامان اللذان يحكمان العالم ( النظام الرأسمالي و
النظام الاشتراكي ) ، مقدماً لمناقشته بالتعريف بهما ، ملاحظاً في آن
واحد أن النظامين السابقين بشكل عام اختارا من العلاقات الخمس ثلاث ، و
هي علاقة الفرد بالفرد ، و علاقة الفرد بالمجتمع ، و علاقة الفرد
بالدولة ، و أهملت العلاقتين الأُخرتين ، و هما علاقة الفرد بالخالق ،
و علاقة الفرد بنفسه
.
و قد تكفي
هذه الملاحظة في إدراك قصور النظامين السابقين في فهم القيمة المعنوية
و الوجودية للفرد ، و التي لا تتأتى إلا من خلال " علاقة الفرد بالخالق
، و علاقة الفرد بنفسه " و هما العلاقتان اللتان تم إهمالهما من قبل
النظامين الرأسمالي و الاشتراكي ، و سوف نرى المؤلف يناقش ذلك في تعرضه
للنظام الرأسمالي و الاشتراكي ، و سوف نرى المؤلف يناقش ذلك في تعرضه
للنظام الرأسمالي .
كما يلاحظ
المؤلف وجود نظم إسلامية عدها " ممارسات على طريق تطبيق النظام
الإسلامي "
.
و لما
كانت تطبيقات كلا النظامين الرأسمالي و الاشتراكي لا تعدوان أن تكون
نظاماً ملكياً أو جمهوراً و أنهما لا يختلفان في إدارة الحكم إلا من
خلال التطبيق و الممارسة ، فإن الباحث يسجل هنا ملاحظة مهمة هي أن
كلاهما مستبد و يدعي أنه ينبذ الاستبداد و ينهج الشورى و الديمقراطية .
كما يناقش المؤلف النظريات الثلاث في نشوء المعرفة ، مقارناً ذلك بما
تعارف عليه فلاسفة المسلمين في التأسيس لفهم المعرفة ، و دورها في
الوجود و في تحقيق المصالح الاجتماعية .
يؤرخ
المؤلف لبدايات النظام الرأسمالي ، عارضاً الأحداث و الأفكار التي أسست
لظهوره ، و التي كان للصراع بين الدولة و الكنيسة في العصور المسيحية
الوسطى ، عام 857 هـ ( 1453 م ) و قيام الحملات الصليبية على الشرق
الإسلامي ، ثم ظهور الدولة العثمانية و استيلائها على القسطنطينية .
يعطي
الباحث مساحة واسعة لدراسة النظام الرأسمالي في هذا المبحث من ص 119 ـ
135 عارضاً كل الأفكار و الاتجاهات التي تبناها النظام ، متنقلاً بين
الأفكار الفلسفية و تطبيقاتها في تصور النظام الرأسمالي ، كما يؤرخ
الباحث لبدايات نشوء آخر و أهم اتجاهات النظام الرأسمالي ، و نقصد به
الاتجاه الليبرالي ، الذي ظهر في القرن الثالث عشر الهجري ، التاسع عشر
الميلادي
، هذا الاتجاه الذي ظهر في أسبانيا و الذي شاع بعد ذلك في أوروبا ، ثم
أصبح إحدى الأسس التي تبناها مفكّري الرأسمالية الحالية ، باعتبار أن
النظام أو الاتجاه الليبرالي يدعو إلى حرية الفكر ، و حرية التجارة ، و
حرية الملكية الخاصة . و هذا بدوره ارتبط بأفكار المساواة التي نادت
بها الثورة الفرنسية . و في النهاية صار النظام الرأسمالي ينحو نحو
الديمقراطية الليبرالية ، و هذا ما تبناه الفيلسوف الأمريكي فوكويافا
في كتابه المثير للجدل " نهاية التاريخ و الرجل الأخير "
.
كما أن
الباحث يعرض فكرة الحرية التي تبناها النظام الرأسمالي باعتبارها
أساساً للنظام التشريعي الذي " يتأصل فلسفياً بالاستقلال المعنوي
للإنسان "
. فالنظام الرأسمالي يرى حق الأفراد في المشاركة في سن القوانين و
التشريعات ، ما دام الفرد يملك الحرية التي نصّ عليها الدستور ، و هذه
القوانين و التشريعات مرتبطة بالمصلحة ، " فالنظرة الليبرالية للإنسان
دارت على أن الإنسان يسع قبل كل شيء إلى مصلحته الشخصية "
.
إن دراسة
نوعية و حجم هوامش و مصادر هذا الفصل يقدم تصوراً عن حجم الجهد الذي
قام به المؤلف لبحث تأريخ هذا النظام و دراسة مناهجه و مباحثه ، ليتسنى
لنا بعد ذلك إدراك حجم القصور الذي ظهر على مناهج هذا النظام الرأسمالي
عند دراستنا للنظام التشريعي الإسلامي .
النظام
الاشتراكي :
يدرس
الباحث المؤلف النظام الاشتراكي كنتاج للمدرسة الواقعية ، إذ أنه سبق و
أن ذكر عند دراسته للمدرسة الواقعية " و يصنف المذهب الاشتراكي و
الشيوعي منها "
، و يتبنى النظام الاشتراكي " فلسفة مادية قائمة على نظرية مشاركة
المجتمع في القرار و النتائج " ( 1 ) .
و بعد أن
قدم الباحث للنظام الاشتراكي في دراسته الأنظمة السائدة ، فهو هنا يؤرخ
له كما يؤرخ لظهور النظرية الشيوعية التي جاء بها ماركس كنقيض للنظام
الرأسمالي الذي كان و لا يزال قائماً على ( الفردية ) ، و يبحث في
مصادر التشريع ، فهو يدرس صياغة القوانين عند الاشتراكيين و الشيوعيين
، الذين تبنّوا صياغات زعمائهم الكلاسيكيين ( ماركس ، أنجلز ، لينين ،
ستالين ) و غيرهم ، كمصادر للتشريع القانوني . و بمرور الوقت " كانت
المؤلفات الماركسية الكلاسيكية المصدر الوحيد للقانون الاشتراكي "
.
و إلى
جانب هذه المصادر استند المشرع الاشتراكي على " مقررات الحزب التي
تتضمن أسس التشريع " . و على الرغم من أن مشرعي القانون الاشتراكي
يقدمون تفسير القانون باعتباره " مجموعة قواعد السلوك الإنساني " ، إلا
أن النظام الاشتراكي يربط قواعد السلوك هذه بالبناء الاقتصادي حتى أصبح
التشريع القانوني يعتمد كلياً على المسألة الاقتصادية ، و يعدد الباحث
( 15 ) مصدراً ، تعد المصادر الرئيسية للتشريع الاشتراكي ، و كلها مجرد
كتابات لـ " ماركس ، أنجلز ، لينين ، ستالين ، و خروتشوف " . و لما
كانت هذه المصادر هي نتاج للعقلية الفردية ، و أنها مجرد أفكار لأفراد
، فهي تبقى داخل نطاق المنهج الفردي في التفكير ، و لا تصلح أن تكون
قوانين يخضع لها الآخرون .
و أهم ما
يلاحظه المؤلف كقصور و عجز في هذه المناهج التشريعية هو " الاستبداد ،
و عدم التعددية السياسية ، و حكومة الحزب الواحد ، و استخدام القوة ، و
تحديد الحريات الفردية ، و محاربة المبادىء و الأخلاق ، و الإعراض عن
الذات الإنسانية ، و قمع الأسرة و الدين "
.
و لما كان
أهم ما يصبو إليه المشرع أن يعمل على تحقيق العدالة و السعادة للفرد و
المجتمع مع الحفاظ على كينونيتهما ، فإن القصور و العجز في مناهج
التشريع لدى المشرع الاشتراكي واضحة في هذا المجال ، فإلى نهاية الحقبة
الشيوعية في الاتحاد السوفياتي السابق ، نجد أن الاشتراكية لم تحقق
السعادة للفرد و المجتمع .
النظام
الإسلامي :
بعد أن
يقوم الباحث بتعريف معنى الإسلام لغة و اصطلاحاً ، يحدد منهج بحثه في
هذا الفصل " الذي يهمنا بحثه يتمحور الحديث في أن الخالق هو الأعرف
بمصالح مخلوقه و دقائق أموره و عليه فما فرض عليه أو نهاه عنه ، هو
الأفضل له عن غيره "
.
فالأساس
في المبحث هو ما أسست له الشريعة الإسلامية باعتبار أن التشريع إلهيّ
المصدر ، و أن الله عَزَّ و جَلَّ و هو الخالق ، هو المشرِّع الأول و
الوحيد ، لكن الإسلام كفكر و شريعة و منهج ، لا يلغي دور الإنسان ،
الفرد " و مع هذا فلم يلغ دور الإنسان في جوانب عديدة من النظام الذي
يختاره لمجتمعه و شخصه ، فيما لا ضرر فيه "
.
و لما كان
الباحث قد ألزم نفسه بدراسة التشريع لا التأريخ في هذا المجلد ، فهو
يتعرض إلى المنعطفات التي مرّ بها النظام الإسلامي و التي تركت آثارها
في مناهج التشريع الإسلامي ، هذه المنعطفات الثلاث الأساسية هي التي
أسست للانحراف في مناهج التشريع الإسلامي .
الأول :
بموت الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) عام 11 هـ ، و ما رافقه من
الخلاف بين الخط الهاشمي الذي يرى الخلافة منصوص عليها ، و معيّنة من
الله عَزَّ و جَلَّ و الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ، و بين
الخط الآخر الذي رفض ذلك ، و فرض الخلافة على المسلمين .
الثاني :
كان باستلام عثمان بن عفان الأمر عام 23 هـ ، و ما قام به من تغييرات
في مجال نظام الحكم ، مما آل الأمر إلى ثورة المسلمين عليه و قتله .
الثالث :
بتجرؤ معاوية بن أبي سفيان على الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام )
المنتخب عند فرقة ، و المنصوص عليه عند فرقة أخرى ، و ذلك عام 36 هـ ،
و إنشاء معاوية المحكمة الأموية الاستبدادية ، أعاد فيها معالم
الجاهلية ، كما اعترف به المؤرخون ، و هذا أول استقطاع للدولة
الإسلامية ، و إنشاء دويلات بدلاً من الدولة الإسلامية الواحدة العظمى
.
و يلاحظ
الباحث المؤلف منعطفات كثيرة أخرى " كانت الدولة الأموية بالذات قدوة و
أسوة لها ، و على مبانيها تأسست دول على المذهبية و الطائفية ، و
القومية ، و القبلية ، أخذت شرعيتها منها "
.
و لما كان
الأصل في التشريع هو تحقيق السعادة و العدل بين الأفراد ، يلاحظ الباحث
مجموعة من النقاط اعتمدها الإسلام في تشريع نظامه ، ذكر في بحثه أبرزها
:
1 ـ تكريم
الإنسان .
2 ـ العقل
.
3 ـ العلم
.
4 ـ
المحبة .
5 ـ
الاتحاد .
6 ـ
الحريّة .
7 ـ العدل
.
8 ـ
المساواة .
9 ـ النظم
.
10 ـ
الشورى .
11 ـ
النزاهة و الإخلاص .
12 ـ
المواهب و الكفاءات .
إن إلقاء
نظرة فاحصة على هذه النقاط ، نرى فيها كل ما حم به الفلاسفة و أصحاب
الشرائع غير السماوية ، و الذين طمحوا إلى تحقيق و لو بعضها ، و فشلوا
في ذلك لعدم قدرتهم على إيجاد ذلك التجانس بين الشريعة و المصلحة
الحقيقية للفرد و المجتمع ، لأن المصلحة لا تقع فقط ضمن القالب المادي
أو القالب الروحي ، بل يجب إيجاد نقاط من التواصل بينهما ، مع إلقاء
نظرة عميقة على المستقبل ، و هذا لم يتحقق إلا ضمن الشرائع السماوية ،
و بالذات الشريعة الإسلامية التي هي آخر الشرائع و أكثرها نقاءً
.
فالنظام
الإسلامي و من خلال مصادره في التشريع
لم يسعى فقط إلى تحقيق السعادة و التكامل الاجتماعي للفرد و المجتمع ،
بل إنه عمل على تطبيق ذلك فعلاً ، و هذا ما حدث منذ بدء نشوء الدولة
الإسلامية التي أسسها الرسول محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) بعد
هجرته إلى المدينة المنورة .
و مما
يحمد لشيخنا الباحث الكرباسي ، و هو يبحث في تواريخ النظم و فلسفتها ،
هو ذلك التجرد العلمي و الإحاطة الفكرية بمختلف الاتجاهات الفكرية و
الفلسفية و مدارسها ، و لهذا نراه يتناول دراسة النظم ، و هي من
الدراسات المتخصصة ، بروحية الباحث المجدّ في طريقه إلى الحقيقة ، و قد
وفقه الله دائماً في اختيار الأمثلة أو في عرضه للحجج من مصادرها ،
تأييداً لما هدف إليه في بحثه .
فالنظام
الإسلامي الذي عاصر و لمدة تجاوزت الأربعة عشر قرناً أنظمة حكم و
اتجاهات فكرية متعددة و متناقضة ، لم تدفع به إلى زاوية النسيان أو
الانحدار ، فكان ينهض باستمرار ، معلناً للآخرين عن عمق مناهجه ، ثم ما
نتج عنه من نظم حضارية عرفت فيما بعد باسم الحضارة الإسلامية .
|